الوشم كمفتاح: جنوب أفريقيا تستخدم فن الجسد لتحديد الهوية

لم تعد الوشوم مجرد زينة أو رمز للتمرد. اليوم، أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الثقافة الشعبية، وتحولت إلى أداة قوية للتعبير عن الذات، وفي بعض الأحيان – إلى شيء أكبر بكثير. في جنوب أفريقيا، حيث تبرز مشكلة الموتى المجهولين بشكل خاص، تكتسب الوشوم أهمية حاسمة، لتصبح الأمل الأخير في تحديد الهوية وإغلاق القضايا العالقة.

دراسة جديدة أجراها علماء جنوب أفريقيون تلقي الضوء على الدور الفريد للوشوم في الطب الشرعي. تؤكد الدراسة أن هذا النوع من فن الجسد هو علامة بيومترية مهمة يمكن أن تساعد في تحديد هوية المتوفين، خاصة في جوهانسبرغ، حيث يتزايد عدد الجثث المجهولة باستمرار. غالبًا ما يُنظر إلى الوشوم على أنها مجرد مواكبة للموضة، أو تعبير ثقافي، أو ببساطة “متعة”، ولكن اتضح أن لها قيمة جنائية لا تقدر بثمن.

الوشم كمعرف موثوق: لماذا يعمل؟

امرأة ذات وشوم واسعة على الرقبة والصدر والذراعين، تنظر إلى الكاميرا.

في الحالات التي تكون فيها طرق التعريف التقليدية – بصمات الأصابع، السجلات السنية، أو تحليل الحمض النووي – غير متاحة أو غير مقنعة، يمكن أن يصبح الوشم عاملاً حاسماً. تكمن فرادتها في مقاومتها المذهلة للإصابات وعمليات التحلل. على عكس الأنسجة الرخوة أو الحمض النووي الذي يتحلل بسرعة، فإن الصبغة التي يتم حقنها في الطبقات العميقة من الجلد تبقى لفترة أطول بكثير، خاصة في مناطق الجسم الأقل عرضة للتلف بعد الوفاة.

أجريت الدراسة بالتعاون مع قسم تحديد هوية المتوفين (HDIU) في مختبر الطب الشرعي التابع لخدمة الطب الشرعي في جوهانسبرغ (JFPS) وحصلت على موافقة أخلاقية من لجنة أخلاقيات أبحاث الإنسان في جامعة ويتواترسراند. استخدم الخبراء التصوير عالي الدقة والتوثيق الإثنوغرافي لتحليل انتشار وأنواع ومواقع الوشوم.

الوشم كرمز ثقافي وتحديات جنائية

امرأة ذات وشوم سوداء واسعة على الرقبة والذراعين، تنظر إلى الكاميرا.

على الرغم من أهميتها، لا تزال الوشوم في جنوب أفريقيا لا تُستخدم بشكل كافٍ لتحديد هوية الجثث المجهولة. تكمن الأسباب الرئيسية في التوثيق غير المتسق أو ذي الجودة المنخفضة، بالإضافة إلى عدم وجود أنظمة تصنيف مصممة خصيصًا للسياقات الأفريقية المحلية. يمكن أن يختلف معنى الوشوم بشكل كبير عن المعايير الغربية، مما يتطلب فهمًا عميقًا للخصائص الثقافية للمنطقة. على سبيل المثال، قد ترتبط بعض الوشوم بالانتماء القبلي، أو طقوس العبور، أو الوضع الاجتماعي، أو حتى العصابات الإجرامية، حاملة معها طبقة كاملة من المعلومات التي تظل غير قابلة للتحليل بدون السياق الثقافي المناسب.

أرقام تتحدث عن نفسها

صورة مقربة لامرأة بشعر رمادي ووشم كبير على الكتف

خلال فترة الدراسة، من عام 2017 إلى عام 2021، من بين 634 متوفى مجهول الهوية، كان لدى 126 شخصًا (ما يعادل حوالي 20٪ من الإجمالي) وشوم يمكن استخدامها لتحديد هويتهم ومزيد من التحقيقات القانونية. هذه إمكانات هائلة لا تزال غير مستغلة حتى الآن.

كشفت الدراسة أيضًا عن خصائص ديموغرافية مثيرة للاهتمام بين المتوفين الذين لديهم وشوم:

  • 94٪ كانوا من السود.
  • 98٪ كانوا نساء.
  • 55٪ كان لديهم أكثر من وشم واحد.
  • كانت الأيدي هي المكان الأكثر شيوعًا للوشم.
  • كانت الأحبار السوداء هي الأكثر استخدامًا.

تؤكد هذه البيانات ليس فقط على انتشار الوشوم في شرائح معينة من المجتمع، ولكن أيضًا على إمكانية إنشاء أنظمة تحديد هوية أكثر استهدافًا تأخذ في الاعتبار الأنماط الثقافية والاجتماعية.

طريق التحسين: التكنولوجيا والمعايير

يؤمن مؤلفو الدراسة بأن هناك حاجة لاتخاذ عدد من الخطوات لزيادة فعالية استخدام الوشوم في تحديد الهوية الجنائية:

  1. تحسين تقنيات التصوير: يمكن أن يساعد استخدام التصوير بالأشعة تحت الحمراء في الكشف عن الوشوم التي يصعب رؤيتها بالعين المجردة أو التي تم تغييرها.
  2. توحيد بروتوكولات التوثيق: وضع قواعد موحدة وواضحة لوصف وتصوير الوشوم في مكان العثور على الجثة وفي المشرحة.
  3. تطوير أنظمة تعليق توضيحية موجهة بالسياق: إنشاء تصنيفات تأخذ في الاعتبار المعاني الاجتماعية والثقافية للوشوم في المجتمعات الأفريقية المختلفة، مما يسمح للخبراء بتفسير الرموز والصور بشكل صحيح.

سيسمح ذلك ليس فقط بتسجيل وجود الوشم، بل أيضًا بفهم معناه، مما يضيق نطاق البحث بشكل كبير ويسرع عملية تحديد الهوية.

الوشوم: من الفن إلى القياسات الحيوية المستقبلية

وبالتالي، تثبت الدراسة بشكل مقنع أن الوشوم ليست مجرد شكل من أشكال فن الجسد، بل هي دليل جنائي قيم. مع التوثيق والتفسير الصحيحين في سياقها الاجتماعي والثقافي، يمكن أن تلعب دورًا حاسمًا في تحديد هوية المتوفين المجهولين، وإعادة الأسماء لأولئك الذين تم نسيانهم.

يتزايد اتجاه استخدام الوشوم كعلامات بيومترية في جميع أنحاء العالم. على سبيل المثال، في عام 2024، أعلنت منظمة البحث العلمي الحكومية في جنوب أفريقيا CSIR عن تطوير نظام يسمح بتسجيل كل من بصمات الأصابع الداخلية والخارجية في وقت واحد لتحديد هوية الجثث. خارج جنوب أفريقيا، يتم استكشاف الوشوم كبديل للمصادقة الرقمية للمدفوعات في آسيا، وهي أيضًا جزء من نظام جديد لتحديد هوية الضحايا طورته شركة Face Forensics. هذا يؤكد على عالمية الوشوم المتزايدة والاعتراف بها كأداة موثوقة في مجموعة واسعة من المجالات، من الطب الشرعي إلى التقنيات اليومية.

بالنسبة لمجتمع tatufoto.com، تعد هذه الدراسة تذكيرًا مهمًا بالمعنى العميق والمتعدد الأوجه للوشوم. كل صورة على الجسم تحمل قصة وشخصية، وكما تظهر أحدث البيانات، مفتاح محتمل لحل أكثر الألغاز تعقيدًا.

شارك هذا:

أضف تعليق